العيني

59

عمدة القاري

الغين المعجمة وتشديد الفاء : المزني من أصحاب الشجرة ، قال : ( كنت أرفع أغصانها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ، روي له ثلاثة وأربعون حديثا للبخاري منها خمسة ، وهو أول من دخل تستر وقت الفتح ، مات سنة ستين . ذكر لطائف إسناده فيه : التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد من الماضي في موضعين . وفيه : العنعنة في موضع واحد . وفيه : القول في أربعة مواضع . وفيه : أن رواته كلهم بصريون ، وهذا الحديث من أفراد البخاري . ذكر معناه : قوله : ( لا يغلبنكم الأعراب ) ، قال الأزهري : معناه : لا يغرنكم فعلهم هذا عن صلاتكم فتؤخروها ، ولكن صلوها إذا كان وقتها ، والعشاء أول ظلام الليل ، وذلك من حين يكون غيبوبة الشفق . فلو قيل في المغرب : عشاء ، لأدى إلى اللبس بالعشاء الآخرة ، والكراهة في ذلك أن لا تتبع الأعراب في هذه التسمية . وقيل : إن الأعراب يسمونها : العتمة لكونهم يؤخرون الحلب إلى شدة الظلام . وقال القرطبي : لئلا يعدل بها عما سماها الله تعالى ، فهو إرشاد إلى ما هو الأولى لا على التحريم ولا على أنه لا يجوز . أَلاَ تراه ، صلى الله عليه وسلم قد قال : ( ولو يعلمون ما في العتمة والصبح ) . وقد أباح تسميتها بذلك أبو بكر وابن عباس فيما ذكره ابن أبي شيبة . وقال الطيبي : يقال : غلبه على كذا : غصبه منه ، أو أخذه منه قهرا ، والمعنى : لا تتعرضوا لما هو من عادتهم من تسمية المغرب بالعشاء ، والعشاء بالعتمة ، فيغصب منكم الأعراب اسم العشاء التي سماها الله تعالى بها ، قال : فالنهي على الظاهر للأعراب ، وعلى الحقيقة لهم . وقال غيره : معنى الغلبة أنكم تسمونها اسما وهم يسمونها اسما ، فإن سميتموها بالاسم الذي يسمونها به وافقتموهم ، وإذا وافق الخصم خصمه صار كأنه انقطع له حتى غلبه ، ولا يحتاج إلى تقدير غصب ولا أخذ . قلت : لما فسر الطيبي الغلبة : بالغصب ، يحتاج إلى هذا التقدير ليتضح المعنى ، وقال التوربشتي شارح ( المصابيح ) : المعنى : لا تطلقوا هذا الاسم على ما هو متداول بينهم فيغلب مصطلحهم على الاسم الذي شرعته لكم . قوله : ( الأعراب ) قال القرطبي : الأعراب من كان من أهل البادية وإن لم يكن عربيا ، والعربي من ينسب إلى العرب ولو لم يسكن البادية . وقال ابن الأثير : الأعراب ساكنو البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار ولا يدخلونها إلاَّ لحاجة ، والعرب اسم لهذا الجيل من الناس ، ولا واحد له من لفظه ، وسواء أقام بالبادية أو المدن . والنسبة إليهما أعرابي وعربي . قوله : ( على اسم صلاتكم المغرب ) ، كلمة : على ، متعلقة بقوله : ( لا يغلبنكم ) . و ( المغرب ) ، بالجر صفة : للصلاة ، وهذه اللفظة ترد تفسير الأزهري : لا يغلبنكم الأعراب ، وهو الذي ذكرناه عنه عن قريب . قوله : ( قال : وتقول الأعراب ) ، قال الكرماني : أي : قال عبد الله المزني : وكان الأعراب يقولون ، ويريدون به المغرب ، فكان يشتبه ذلك على المسلمين بالعشاء الآخرة فنهى عن إطلاق العشاء على المغرب دفعا للالتباس . وقال بعضهم : وقد جزم الكرماني بأنه فاعل : قال ، هو عبد الله المزني راوي الحديث ، ويحتاج إلى نقل خاص لذلك ، وإلاَّ فظاهر إيراد الإسماعيلي : أنه من تتمة الحديث ، فإنه أورد بلفظ : فإن الأعراب تسميها ، والأصل في مثل هذا أن يكون كلاما واحدا حتى يقوم دليل على إدراجه . قلت : لم يجزم الكرماني بذلك ، وإنما قال : قال عبد الله المزني ، بناء على ظاهر الكلام ، فإنه فصل بين الكلامين بلفظ : قال : والظاهر أنه الراوي ، على أنه يحتمل أن تكون هذه اللفظة مطوية في رواية الإسماعيلي . قوله : ( هي العشاء ) ، بكسر العين وبالمد ، وهو من المغرب إلى العتمة . وقيل : من الزوال إلى طلوع الفجر . واعلم أنه اختلف في لفظ المتن المذكور ، فرواه أحمد في ( مسنده ) وأبو نعيم في ( مستخرجه ) وابن خزيمة في ( صحيحه ) كرواية البخاري ، ورواه أبو مسعود الرازي عن عبد الصمد : ( لا يغلبنكم على اسم صلاتكم ، فإن الأعراب تسميها عتمة ) . وكذا رواه علي بن عبد العزيز البغوي عن أبي معمر شيخ البخاري . وأخرجه الطبراني كذلك ، ورجح الإسماعيلي رواية أبي مسعود الرازي لموافقته حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ، الذي رواه مسلم من طريق أبي سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف ، عن ابن عمر بلفظ : ( لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم ، فإنها في كتاب الله العشاء ، وإنهم يعتمون بحلاب ازبل ) . ولابن ماجة نحوه من حديث أبي هريرة بإسناد حسن ، ولأبي يعلى والبيهقي من حديث عبد الرحمن بن عوف كذلك . 20 ( ( بابُ ذِكْرِ العِشَاءِ والعَتْمَةِ ومَنْ رَآهُ واسِعا ) ) أي : هذا باب في بيان ذكر العشاء والعتمة في الآثار ، ومن رأى إطلاق اسم العتمة على العشاء واسعا ، أي : جائزا والعتمة